تهارقا — الفرعون الكوشي

في القرن السابع قبل الميلاد، خرج من عاصمة كوش نبتة ملك قاد مملكة امتدت من قلب السودان إلى مصر وبلاد الشام: تَهارَقا (Taharqa)، رابع ملوك الأسرة الخامسة والعشرين الكوشية، الذي حكم من نحو 690 إلى 664 ق.م. وهو ابن الملك بيي، وخلف ابن عمه شبيتقو على العرش، فوحّد تحت سلطانه مملكتي كوش ومصر في واحدة من أكثر لحظات التاريخ القديم إثارة.

شهد عهده ما يوصف بالعصر الذهبي للمملكة: فيضانات نيل قياسية ومحاصيل وفيرة. وعلى عكس صورة الغازي، كان تهارقا بانياً عظيماً: جدّد المعابد وبناها في مصر والنوبة على الطراز المصري، إذ شيد معبداً للإلهة موت في جبل البركل، وأضاف مدخلاً إلى معبد آمون الكبير في الكرنك، وعبد الإله آمون وتبنى الكتابة الهيروغليفية في إدارة دولته.

لكن مجدَه اصطدم بقوة صاعدة من الشرق: آشور. دعم تهارقا مقاومة ممالك فلسطين ضد الملك الآشوري سنحاريب، لكن جيشه هُزم عام 671 ق.م على يد آسرحدون الذي دخل ممفيس وأسقط العاصمة. ومع انسحاب آسرحدون، عاد تهارقا من ملاذه في صعيد مصر وأجل الحاميات الآشورية، ليستعيد السيطرة مؤقتاً — حتى جاءت الهزيمة الحاسمة على يد آشوربانيبال، فانسحب جنوباً إلى النوبة.

توفي تهارقا عام 664 ق.م ودُفن في جبانة نوري عند الشلال الرابع، في أكبر أهرامات السودان (الهرم رقم 1 في نوري). وتشير دراسة أكاديمية في مجلة جامعة الخرطوم إلى أن تهارقا أدرك أن سلاح الحديد الآشوري كان وراء هزيمة جيوشه، وأنه كان يخطط لاستغلال خام الحديد في كوش قبل أن تعاجله المنية.

بقيت آثاره شاهدة: تمثال أبو الهول الغرانيتي الذي يحمل ملامحه في المتحف البريطاني، وتمثال ضخم يزن طناً واحداً اكتُشف في دنقيل شمال الخرطوم — وهو، بحسب علماء المتحف البريطاني، أقصى تمثال لفرعون عُثر عليه جنوباً على الإطلاق.

📚 المصادر: موسوعة بريتانيكا (سيرة تهارقا)؛ المتحف البريطاني (تمثال أبو الهول تهراقا، وبعثة دنقيل — د. جولي أندرسون) ومجلة Archaeology؛ مجلة جامعة الخرطوم، كلية التربية (دراسة أكاديمية عن تهارقا). — فريق التحرير