أماني ريناس — الكنداكة التي أوقفت روما

في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، حكمت مملكة كوش في مروي امرأةٌ دخلت التاريخ من بوابة المواجهة مع أعظم إمبراطورية في عصرها: أماني ريناس، ملكة كوش الحاكمة من نحو 40 إلى 10 ق.م، التي حملت لقبي «قور» (الملك) و«كنداكة» (الملكة الحاكمة). وصفها المؤرخ اليوناني سترابو بأنها امرأة ذات طبع رجولي، عوراء في إحدى عينيها.

سنة 25 ق.م، وبينما كان والي مصر الروماني إيليوس غالوس غائباً في حملته على الجزيرة العربية، قادت أماني ريناس جيش كوش عبر الحدود الجنوبية لمصر: استولت على سين (أسوان) والفنتين وفيله، وأسرت السكان، وحطّمت تماثيل الإمبراطور أغسطس. ومن تمثالٍ مُحطَّم أُخذت رأسٌ برونزية للإمبراطور ودُفنت تحت عتبة معبد النصر في مروي، ليدوسها الداخلون بأقدامهم — فبقيت محفوظة ألفي عام حتى اكتشفها عالم الآثار البريطاني جون غارستانغ سنة 1910، وهي اليوم من أشهر مقتنيات المتحف البريطاني.

ردّت روما بحملة الوالي غايوس بترونيوس الذي توغّل جنوباً وأحرق نبتة، لكن الحرب لم تحسم كوش. فأرسلت أماني ريناس سفراءها إلى أغسطس في جزيرة ساموس، فكان الصلح بشروطٍ مواتية لكوش: أُعفي المرويون من الجزية، وأخلت روما جزءاً من الشريط الحدودي، وبقيت المعاهدة سارية حتى نهاية القرن الثالث الميلادي.

تبقى أماني ريناس من القلائل في التاريخ القديم الذين واجهوا روما في أوج قوتها وخرجوا من المواجهة باستقلال بلادهم — ورأسُ أغسطس البرونزية في لندن ما زالت شاهدة على تلك الأيام.

📚 المصادر: سترابو — الجغرافيا (الكتاب 17)؛ المتحف البريطاني — رأس مروي لأغسطس (اكتشاف غارستانغ 1910)؛ موسوعة UCLA لعلم المصريات — «مروي ومصر» (2021). — فريق التحرير