اللغة المروية — الكتابة التي لم تُفك رموزها بعد

بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي كتب الكوشيون لغتهم الخاصة بأبجدية ابتكروها هم أنفسهم في مملكة مروي: ثلاثة وعشرون رمزاً فقط، بنوعين متوازيين — خط هيروغليفي منقوش على الحجر للمعابد والمقابر الملكية، وخط اختزالي يُكتب بالقلم للوثائق والسجلات اليومية.

في عام 1909 نجح عالم المصريات البريطاني فرانسيس ليويلين غريفيث (جامعة أكسفورد) في فك القيم الصوتية للرموز من نصوص تجمع بين المروية والمصرية، فأصبح بمقدور العلماء قراءة النصوص المروية بصوت مرتفع — لكن دون فهم معناها. فالكتابة فُكّت، أما اللغة نفسها فما زالت لغزاً: نحو 250 كلمة فقط متفق على معانيها حتى اليوم، مثل «ato» أي الماء و«tenke» أي الغرب.

والسبب أن المروية لا تملك «حجر رشيد» خاصاً بها: لم يُعثر على نص ثنائي كامل، ولا توجد لغة قريبة معروفة تُقارَن بها، إذ تنتمي لعائلة اللغات النيلية الصحراوية دون أقارب واضحين. وقد نظمت اليونسكو مؤتمراً في القاهرة عام 1974 دعماً للفرق العلمية العاملة على فك رموزها، وما زال البحث مستمراً.

أقدم نص مروي معروف منقوش في معبد الملكة شنقداخيتي بالنقعة (حوالي 180–170 ق.م)، وأطول نص بالخط الاختزالي نقش الملك تنييدمني في معبد آمون بجبل البركل (160 سطراً). ويصفها الأستاذ عبد الرحيم محمد خبير، أحد أبرز السودانيين المختصين فيها، بأنها أقدم لغة مكتوبة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى — إعلان هوية أمة كوشية مستقلة عن مصر الفرعونية.

📚 المصادر: نيوساينتيست (New Scientist — «ثمانية أنظمة كتابة ما زالت عصية على الفهم»)، بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير في «شامبليون اللغة المروية وحجر رشيد السوداني» (سودارس)، الموسوعة العربية (اللغة المروية / الكتابة المروية) — فريق التحرير