السبت 26 سبتمبر 2026
مملكة المقرة المسيحية — النوبة التي صمدت ثمانية قرون
في شمال السودان، وعلى الضفة الشرقية للنيل، قامت مملكة المقرة (Makuria) إحدى الممالك النوبية المسيحية الثلاث إلى جانب نوباتيا في الشمال وعلوة في الجنوب، واتخذت من دنقلا العرضي (Old Dongola) عاصمة لها. نشأت المملكة في القرنين الخامس والسادس الميلاديين بعد سقوط مملكة كوش، واعتنقت المسيحية في القرن السادس، فتطورت دنقلا من حصن عسكري إلى مركز حضري كبير بلغ أوجه بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين.
وفي النصف الأول من القرن السابع صدّ جيش المقرة ضغط الجيوش المسلمة المتقدمة من الشمال، ثم وُقّع عام 652 صلح عُرف باسم «البقط» (Baqt)، فبدأت علاقة سلمية امتدت نحو ستة قرون مع مصر. كفلت المملكة الحماية للمسلمين العابرين أراضيها، وسمحت لهم بالصلاة في مسجد داخل دنقلا العرضي، وتاجرت مع مصر والإمبراطورية البيزنطية وإثيوبيا — نموذج مبكر للتعايش الديني عبر الحدود.
وتكشف الحفريات المستمرة منذ 1964 التي يقودها المركز البولندي للآثار المتوسطية بجامعة وارسو حجم هذه الحضارة: أربع كاتدرائيات متعاقبة شُيّدت من أواخر القرن السادس إلى نهاية القرن التاسع، وقصور ملكية، وحصن، وبيوت خاصة من طابقين فيها حمّامات خاصة وتدفئة، ودير ضخم هو دير القديس أنطونيوس، وورش للفخار والحديد والزجاج، ورسوم جدارية دينية تمتد من القرن السادس إلى الرابع عشر.
وفي 2021 اكتشف الفريق في قلب المدينة بقايا كنيسة يُرجّح أنها أكبر مبنى كنسي معروف في النوبة المسيحية: حنية عرضها نحو 85 قدماً، وارتفاعها ثلاثة طوابق، زُيّنت بلوحات جدارية من القرن العاشر أو مطلع الحادي عشر تُصوّر الرسل، وإلى جوارها قبر مقبب يُعتقد أنه لرئيس أساقفة دنقلا. كما كشفت قبو رئيس الأساقفة غيورغيوس نصوصاً باليونانية والقبطية والنوبية القديمة.
وانتهى هذا العهد الطويل حين هاجم الملك داود — أحد آخر حكام المقرة المسيحية — مصر، فردّ المماليك بغزو النوبة وسقوط دنقلا للمرة الأولى في تاريخها، ثم تحوّل مبنى العرش الضخم إلى مسجد عام 1317، لتنطفئ المملكة في القرن الرابع عشر بعد نحو ثمانية قرون من الحياة المستمرة.
📚 المصادر: المركز البولندي للآثار المتوسطية بجامعة وارسو — صفحة مشروع دنقلا (pcma.uw.edu.pl)؛ مجلة سميثسونيان — «بقايا كنيسة ضخمة مرتبطة بمملكة نوبية» (يوليو 2021)؛ المركز البولندي للآثار — «أكبر مجموعة لوحات من مطلع القرنين الثامن والتاسع في كنيسة رافائيل بدنقلا» (2016)؛ هيريتاج ديلي — اكتشاف فريسكات ونقوش الملك داود في دنقلا العرضي (2023).
— فريق التحرير