مملكة المقرة المسيحية — ثمانية قرون على ضفاف النيل

بعد سقوط مملكة كوش في القرن الرابع الميلادي، نشأت في شمال السودان مملكة المقرة (Makuria)، واتخذت من دنقلا العرضي (Old Dongola) عاصمة لها منذ نحو عام 500 ميلادياً، حين كانت المدينة حصناً على الضفة الشرقية للنيل بين الشلالين الثالث والرابع.

اعتنقت المقرة المسيحية في القرن السادس الميلادي عبر البعثات القادمة من مصر البيزنطية، وفي مطلع القرن السابع ضمت جارتها الشمالية مملكة نوباتيا، فامتد نفوذها حتى حدود مصر البيزنطية. وصدّت جيوش الخلافة الراشدة مرتين أمام أسوار دنقلا عامي 642 و652م، ثم وُقعت معاهدة «البقط» التي حفظت سلاماً دام نحو ستة قرون بين النوبة المسيحية ومصر المسلمة.

بلغت المقرة ذروتها الحضارية بين القرنين التاسع والحادي عشر: شُيّدت الكاتدرائيات المتعاقبة والقصر الملكي ودير بنقنارتي، وازدهر فن الجداريات الدينية والفخار المزخرف، وصارت اللغة النوبية لغة مكتوبة بأبجدية مشتقة من القبطية، إلى جانب القبطية واليونانية والعربية.

تشهد على ذلك التنقيبات الأثرية البولندية المتواصلة في دنقلا العرضي منذ عام 1964 تحت إشراف المركز البولندي لآثار البحر المتوسط بجامعة وارسو، والتي كشفت عن أربع كاتدرائيات متعاقبة، وعن كنيسة ضخمة اكتُشفت عام 2021 قد تكون أكبر كنيسة نوبية معروفة، إضافة إلى جداريات ملونة من العصور الوسطى.

خفت نجم المملكة في القرن الثاني عشر، وسقطت في مطلع القرن الرابع عشر أمام غزوات المماليك، لكن جداريات دنقلا ومخطوطاتها لا تزال شاهدة على مملكة حكمت النيل نحو ثمانية قرون.

📚 المصادر: المركز البولندي لآثار البحر المتوسط — جامعة وارسو (pcma.uw.edu.pl)؛ موسوعة التاريخ العالمي — مقال «دنقلا العرضي» (worldhistory.org) — فريق التحرير