مملكة المقرة — ألف عام من الحضارة المسيحية على النيل

بعد سقوط مملكة مروي في القرن الرابع الميلادي، برزت في بلاد النوبة ثلاث ممالك مسيحية بحلول القرن السادس: نوباتيا في الشمال، والمقرة (مكوريا) في الوسط، وعلوة في الجنوب. اتخذت المقرة دنقلا العرضي عاصمةً لها على الضفة الشرقية للنيل، بين الجندلين الثالث والرابع، وامتد نفوذها من الجندل الثالث حتى ما بين الجندلين الخامس والسادس، مع سيطرة على طرق التجارة والمناجم والواحات شرقاً وغرباً.

اعتنقت المقرة المسيحية في منتصف القرن السادس الميلادي على يد بعثات بيزنطية، وبحلول أواخر القرن صارت بلاد النوبة قطراً مسيحياً يشمل الممالك الثلاث. ووفقاً للبعثة البولندية للمركز البولندي لآثار البحر المتوسط (جامعة وارسو)، كُشف في دنقلا العرضي عن أكثر من اثنتي عشرة كنيسة وديرين، بينهما دير الثالوث الأقدس الذي احتفظت جدرانه بلوحات جدارية فريدة من القرنين الحادي عشر والثالث عشر تصوّر المسيح ومريم العذراء والرسل ومشاهد من العهدين القديم والجديد.

في عام 651م/31هـ وصل جيش عبد الله بن سعد بن أبي السرح إلى دنقلا فردّه النوبيون، ثم عُقد صلحٌ عُرف باسم «البقط» — معاهدة سلام صمدت نحو ستة قرون حتى القرن الثالث عشر. وعاشت المقرة عصرها الذهبي بين 750 و1150م تقريباً: دولة مستقرة مزدهرة امتدت تجارتها إلى مصر وبيزنطة وإثيوبيا، وضمّت جارتها الشمالية نوباتيا في عهد الملك مرقوريوس، وأقامت علاقات دبلوماسية مع مصر المسلمة وبيزنطة وحتى الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

من القرن الثالث عشر تصاعد عدوان المماليك من مصر وتزامن مع الفتن الداخلية وغزوات البدو، فجلس ملوك مسلمون على عرش دنقلا في العقدين الثاني والثالث من القرن الرابع عشر، ثم مزّقت حرب أهلية سنة 1365م المملكة إلى دويلة صغيرة فُقدت معها دنقلا نفسها، وابتلعت سلطنة الفونج أراضيها جنوب الجندل الثالث مطلع القرن السادس عشر. ومع ذلك بقيت دنقلا العرضي مدينة مأهولة حتى القرن الثامن عشر.

أُعيد اكتشاف المقرة مع حملة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة سنة 1960 قبل غمرها بمياه السد العالي، ولا تزال البعثة البولندية تحفر في دنقلا العرضي منذ عقود — والمدينة التي امتدت على نحو 200 هكتار ما زالت مستكشفة جزئياً فقط. وفي 2020 أعلن الباحثون عن كشف كاتدرائية ضخمة، ويُرجّح أن قبة كبيرة قرب حنيتها هي ضريح أحد رؤساء الأساقفة — وما زالت فصول كاملة من تاريخ المقرة مدفونة تحت الرمال السودانية.

📚 المصادر: مجلة سميثسونيان (تقرير 2020 عن كشف الكاتدرائية في دنقلا العرضي)؛ المركز البولندي لآثار البحر المتوسط — جامعة وارسو (مشروع حفريات دنقلا العرضي)؛ Archaeopress (كتاب «مملكة المقرة وحضارتها» — أحمد حسين عبد الرحمن آدم، 2024). — فريق التحرير