مملكة المقرة المسيحية — ألف عام من النوبة

قامت مملكة المقرة (مكوريا) في القرن الخامس الميلادي بعد انهيار مملكة كوش في القرن الرابع، على امتداد وادي النيل بين الجندلين الثالث والرابع فيما يعرف اليوم بشمال السودان وجنوب مصر، وجعلت عاصمتها دنقلا العرضي التي أُسّست نحو عام 500 ميلادية.

في منتصف القرن السادس اعتنقت المملكة المسيحية عبر بعثات تبشيرية بيزنطية، فسجّل المؤرخ يوحنا البيكلاري أن المقرة «استقبلت الإيمان المسيحي» نحو عام 568، وازدهرت الكنائس والعمارة، وكُتبت النصوص باللغة النوبية القديمة واليونانية والقبطية إلى جانب العربية.

عام 652 هاجم جيش راشدي بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح دنقلا وحاصرها وقصفها بالمجانيق، فصدّه رماة النوبة المشهورون بمهارتهم، وكان أول ملك معروف للمملكة هو قليدوروث. انتهى الحصار بمعاهدة البقط التي اعترفت باستقلال المقرة، وبموجبها حظي المسلمون بالحماية أثناء مرورهم وأُقيم لهم مسجد في دنقلا العرضي، وأرسى ذلك سلاماً بين مصر والمملكة لأكثر من ستة قرون.

بلغت المملكة ذروة ازدهارها الحضاري بين القرنين التاسع والحادي عشر: الكنيسة الصليبية في دنقلا (نحو 28 متراً، أضخم مباني المملكة)، وقاعة العرش بتأثيرات بيزنطية، ودير بانقنارتي، وفنون جدارية وفخار مزخرف. وكشفت حفريات المركز البولندي لآثار البحر المتوسط في دنقلا العرضي عن أكثر من اثنتي عشرة كنيسة وديراً وجداريات من القرنين الحادي عشر والثالث عشر، وسرداب رئيس الأساقفة غورغيوس بنصوص يونانية وقبطية ونوبية قديمة.

بدأ انحدار المملكة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر تحت ضغط المماليك والغزوات البدوية وربما الطاعون، ثم حرب أهلية عام 1365 فقدت على إثرها دنقلا، وظل آخر ملوكها المعروفين نحو عام 1460 في جبل عضة، قبل أن تنهار نهائياً في أواخر القرن الخامس عشر — بعد تاريخ امتد نحو ألف عام.

📚 المصادر: موسوعة ويكيبيديا — مقالة «Makuria»؛ المركز البولندي لآثار البحر المتوسط — جامعة وارسو (بعثة دنقلا العرضي)؛ مجلة سميثسونيان — اكتشاف كاتدرائية نوبية في السودان. — فريق التحرير