مملكة المقرة المسيحية: ألف عام على ضفاف النيل
في القرن الخامس الميلادي قامت على ضفة النيل الشرقية حصناً عسكرياً حمل اسم دنقلا العرضي، ومع وصول المسيحية إلى النوبة في منتصف القرن السادس الميلادي أصبحت هذه المدينة عاصمة مملكة المقرة — أكبر الممالك النوبية المسيحية الثلاث، التي امتدت أراضيها في أوجها بين الشلال الأول والشلال السادس. يتحدث المؤرخون عن قيام المملكة منذ القرن الخامس الميلادي، ويُذكر أول ملوكها المعروفين قلدورت الذي عاش حوالى عام 652م، وآخرهم يوئيل الذي عاش حوالى عام 1463م.
كان اعتناق المسيحية نقطة التحول الكبرى في تاريخ المقرة: تحولت المعابد القديمة إلى كنائس، وبُنيت كاتدرائيات كبرى زُينت بالجداريات (الفريسكو) الملونة التي تصور السيد المسيح والقديسين والرسل. وبعد اتحاد المقرة مع مملكة نوباتيا الشمالية مطلع القرن السابع الميلادي، اعتنقت المملكة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وتكلمت النوبية القديمة لغة الحياة اليومية، واستخدمت اليونانية في الشؤون الكنسية والعربية في الدبلوماسية والتجارة مع مصر.
شهد عام 652م واحدة من أشهر لحظات التاريخ السوداني: بعد أن صدّ رماة النوبة المشهورون هجومين عربيين على دنقلا عامي 642 و652م، أُبرمت مع والي مصر عبد الله بن أبي السرح اتفاقية «البقط» — صلحاً تبادلياً تلتزم فيه المقرة بتقديم 360 من الرقيق سنوياً مقابل القمح والعدس والأقمشة، مع ضمان حرية التجارة والسفر بين البلدين. صمد هذا الصلح أكثر من ستة قرون، وجعل المقرة أطول دولة مسيحية أفريقية تعايشاً سلمياً مع الجيران المسلمين.
بلغت المملكة أوجها بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين: مدينة دنقلا العرضي — التي تبلغ مساحة آثارها نحو 200 هكتار — ازدهرت بالقصور والكنائس، ونشطت تجارة الذهب والعاج والماشية مع بيزنطة ومصر والحبشة، واستخدم السكان السواقي لرفع مياه النيل لري الحقول. وحتى عندما اجتاح تورانشاه — أخو صلاح الدين الأيوبي — قصر إبريم عام 1173م، حافظ الملك جورج الأول (1155–1190م) على استقلال المملكة وأمنها.
بدأ الأفول مع ضغط المماليك أواخر القرن الثالث عشر وتدخلهم المتكرر في شؤون الحكم: نُصِّب أول ملك مسلم على العرش عام 1317م، ثم اندلعت حرب أهلية عام 1365م أجبرت الملوك على مغادرة دنقلا إلى جبل عدا، لتلحق أراضي المملكة مطلع القرن السادس عشر بسلطنة سنار الفونجية. لكن ذاكرتها لم تمت: فحين هدد السد العالي بإغراق آثار النوبة، أطلقت اليونسكو عام 1960 حملة إنقاذ دولية كشفت فرس وقصر إبريم — حيث عُثر على أكبر أرشيف لوثائق اللغة النوبية القديمة.
وما تزال الأرض تكشف أسرارها: عام 2021 أعلنت بعثة المركز البولندي لآثار المتوسط بجامعة وارسو اكتشافها في قلب قلعة دنقلا العرضي ما يُرجَّح أنه أكبر كاتدرائية نوبية على الإطلاق — مبنى بعرض 26 متراً بارتفاع مبنى من ثلاثة طوابق، جدران حنيته مزينة بلوحات الرسل الاثني عشر من القرن العاشر أو الحادي عشر، وبجانبه قبر مقبب يُعتقد أنه لرئيس أساقفة. تنقيبات دنقلا العرضي ما تزال جزئية، وفصول كاملة من تاريخ المقرة ما تزال نائمة تحت رمال السودان.
📚 المصادر: موسوعة التاريخ العالمي (World History Encyclopedia) — تاريخ مملكة المقرة؛ مجلة سميثسونيان (2021) عن اكتشافات المركز البولندي لآثار المتوسط بجامعة وارسو في دنقلا العرضي؛ حملة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة (1960). — فريق التحرير