مملكة المقرة — مملكة النوبة المسيحية التي صمدت ألف عام

بعد سقوط مملكة مروي حوالي عام 350 ميلادياً، نهضت في شمال السودان مملكة المقرة، واحدة من ثلاث ممالك نوبية مسيحية — إلى جانب نوباتيا وعاصمتها فرس، وعلوة وعاصمتها سوبا — وجعلت من دنقلا عاصمةً لها على ضفاف النيل بين الشلال الثالث والخامس، ممسكةً بطرق التجارة والواحات والمناجم.

تحوّلت المقرة إلى المسيحية رسمياً في منتصف القرن السادس الميلادي، وسرعان ما غدت قوة إقليمية مزدهرة: قصور وكنائس وجداريات فنية بديعة ما تزال آثارها شاهدة في دنقلا العرضي، بينما كشفت أعمال التنقيب البولندية في فرس عن كاتدرائية كاملة بجدران مزخرفة بقيت مدفونة تحت رمال النوبة قروناً طويلة.

عام 651 ميلادياً وصلت الجيوش العربية إلى أبواب المقرة، فصُدّت بشدة بفضل مهارة النوبيين في الرماية حتى سمّاهم المسلمون «رماة الحدق»، لتُوقَّع بعدها معاهدة البقط عام 652 بين ملك المقرة والقائد العربي عبد الله بن أبي السرح، فدشّنت نحو ستة قرون من التعايش السلمي بين المملكة المسيحية ومصر المسلمة.

شهدت المملكة ما يسميه المؤرخون «عصرها الذهبي» بين عامي 750 و1150 تقريباً، وازدهرت تجارتها مع مصر والحبشة وبيزنطة، وظل المسلمون يعبرون أراضيها آمنين ويصلّون في مسجد دنقلا العرضي. لكن الحملات المملوكية المتكررة منذ القرن الثالث عشر، ثم تنصيب أول ملك مسلم على العرش عام 1317، وحرباً أهلية عام 1365، قضت على قوتها تدريجياً حتى اختفى آخر ملوكها في أواخر القرن الخامس عشر.

مع بناء السد العالي أطلقت اليونسكو عام 1960 حملة إنقاذ دولية كبرى: نقّب البولنديون في فرس، والبريطانيون في قصر إبريم حيث وُجدت أكبر مجموعة وثائق معروفة باللغة النوبية القديمة، ولا تزال دنقلا العرضي — التي اكتُشفت فيها حديثاً كنيسة ضخمة ربما ضمّت ضريح رئيس أساقفة — تنتظر استكمال التنقيب عن فصول أخرى من تاريخ هذه المملكة.

📚 المصادر:

  • Smithsonian Magazine — «Ruins of Monumental Church Linked to Medieval Nubian Kingdom Found in Sudan» (عن بعثة المركز البولندي لآثار البحر المتوسط، جامعة وارسو، في دنقلا العرضي)
  • Stanley Burstein, «When Greek was an African Language» — محاضرات Frank M. Snowden Jr. السنوية، جامعة هوارد (تحوّل الممالك النوبية الثلاث إلى المسيحية في القرن السادس)

— فريق التحرير