دخول الإسلام إلى السودان سلمياً — معاهدة البقط التي دامت ستة قرون
حين فتح المسلمون مصر عام 20هـ/641م، كانت بلاد النوبة جنوبها ممالك مسيحية قوية ومنظمة، وعلى رأسها مملكة المقرة وعاصمتها دنقلا. أرسل عمرو بن العاص أولى الحملات بقيادة عقبة بن نافع، فاصطدم المسلمون بمقاومة شرسة من الرماة النوبيين الذين أتقنوا التصويب حتى سموهم «رماة الحدق»، بحسب البلاذري — فانصرفت الحملة بجراحات كثيرة دون فتح.
وبعد عقد من الزمن، في عام 31هـ/651م، جرّد عبد الله بن سعد بن أبي السرح، والي مصر في عهد عثمان بن عفان، جيشاً من خمسة آلاف مقاتل وحاصر دنقلا ورماها بالمنجنيق الذي لم يعرفه النوبيون من قبل، فتضررت كنيستها الرئيسية (وقد كشفت الحفريات كنيسة متضررة من تلك الفترة خارج أسوار المدينة). لكن الحصار انتهى بخسائر فادحة في صفوف المسلمين، ويقول المؤرخ ابن عبد الحكم في القرن التاسع إن عبد الله «لم يقدر عليهم»، وكتب الشاعر العربي واصفاً المعركة: «ما رأت عيني قتالاً مثل دمقلة».
بدل الفتح بالسيف، لجأ الطرفان إلى الدبلوماسية: وُلدت «معاهدة البقط»، وهي استثناء نادر في تاريخ الفتوحات الإسلامية المبكرة. لم يُعرف نص أصلي محفوظ لها، لكن المصادر (ابن عبد الحكم، البلاذري، المقريزي) تجمع على خطوطها العريضة: عدم اعتداء متبادل، حرية التجارة والمرور وضمان الأمان للمسافرين، حظر الاستيطان في أرض الآخر، تسليم الفارّين، وتعهد النوبيين بإقامة مسجد في دنقلا للمسلمين الواردين.
أشهر بنودها: إرسال النوبة 360 من العبيد سنوياً إلى مصر مقابل شحنات من القمح والعدس والثياب، وهو ما رآه مؤرخون لاحقون تبادلاً متكافئاً أقرب إلى التجارة منه إلى الجزية. المدهش أن هذه المعاهدة جُدّدت بانتظام أكثر من ستة قرون — من القرن السابع إلى الرابع عشر — فصارت من أطول المعاهدات عمراً في التاريخ.
والأهم من بنودها نتائجها: ظل السودان النوبي مستقلاً سياسياً ومسيحياً قروناً طويلة، ودخل الإسلام تدريجياً عبر التجارة والتجار والتصاهر، حتى اعتلى أول ملك مسلم عرش المقرة في القرن الرابع عشر الميلادي، ثم قامت سلطنة سنار الإسلامية عام 1504م — عملية أسلمت وتعريب امتدت نحو ألف عام، ولم تبدأ بفتح عسكري أبداً.
📚 المصادر:
- مقال «Baqt» — موسوعة ويكيبيديا (بمراجعها عن ابن عبد الحكم، البلاذري، المقريزي، ابن عبد الحكم)
- مقال «Islamization of the Sudan region» — موسوعة ويكيبيديا (بمراجعها الأكاديمية)
- نص البلاذري في «فتوح البلدان» عن حملة عقبة بن نافع و«رماة الحدق»
— فريق التحرير