مملكة المقرة المسيحية — أقوى ممالك النوبة في العصور الوسطى

بعد سقوط مملكة مروي في القرن الرابع الميلادي، نهضت في أرض النوبة ثلاث ممالك: المقرة (مكوريا) وعاصمتها دنقلا العرضي، ونوباطيا في الشمال، وعلوة وعاصمتها سوبا قرب الخرطوم. اعتنقت المقرة المسيحية في منتصف القرن السادس الميلادي عبر بعثات كنسية قادمة من مصر البيزنطية، وخضعت كنائسها لسلطة البطريركية القبطية في الإسكندرية، كما توثّق ذلك دراسات أكاديمية محكمة منشورة في هذا المجال.

وفي منتصف القرن السابع، تصدّت المقرة لجيش عربي غازٍ سنة 651م، ثم وُقّع اتفاق البقط — هدنة تاريخية حافظت على سلام دائم نحو ستة قرون. كفل الاتفاق حماية المسلمين العابرين للمملكة، وكان لهم مسجد في دنقلا العرضي يؤدون فيه عباداتهم، بينما ازدهرت تجارة المملكة مع مصر البيزنطية والحبشة، حسب وصف مجلة سميثسونيان لنتائج الحفريات الحديثة.

ضمّت المقرة جارتها الشمالية نوباطيا فأصبحتا مملكة واحدة عاصمتها دنقلا، وبلغت ذروتها بين القرنين التاسع والحادي عشر. كانت العاصمة مدينة عظيمة امتدت على 200 هكتار: أكثر من اثنتي عشرة كنيسة وديران، منها دير الثالوث الأقدس بلوحاته الجدارية الفريدة من القرنين الحادي عشر والثالث عشر، وسرداب المطران جورجيوس المغطاة جدرانه بنصوص يونانية وقبطية ونوبية قديمة. واستخدم سكانها السواقي لري الحقول، وسكنوا بيوتاً من طابقين فيها حمامات بمياه ساخنة — مدنية لافتة لعصورها.

وكشفت حفريات المركز البولندي لآثار المتوسط بجامعة وارسو — التي تعمل في دنقلا العرضي منذ 1964 — عام 2021 عن أكبر كنيسة نوبية معروفة حتى الآن في قلب القلعة القديمة: مبنى بعرض 26 متراً وارتفاع مبنى من ثلاثة طوابق، يُرجَّح أنه الكاتدرائية ومقر مطران دنقلا الذي أشرف على كنائس امتدت ألف كيلومتر على النيل. ثم كشفت حفريات 2023 فريسكوات نادرة تصور المسيح والملاك ميخائيل والعذراء مريم، ونقوشاً تذكر الملك داود وتدعو الله لحماية المدينة.

وكانت حملة الملك داود — من آخر ملوك المقرة المسيحيين — على مصر المملوكية في أواخر القرن الثالث عشر بداية النهاية: ردّ المماليك بغزو النوبة ونُهبت دنقلا العرضي لأول مرة في تاريخها، ثم تفكّكت المملكة في القرن الرابع عشر. لكن إرثها — كنائسها ولوحاتها ومخطوطاتها — ما زال يخرج من تحت الرمال حتى اليوم، شاهداً على قرون من المدنية النوبية.

📚 المصادر: المركز البولندي لآثار المتوسط — جامعة وارسو (pcma.uw.edu.pl)؛ مجلة سميثسونيان (Smithsonian Magazine)؛ مجلة الآثار الأمريكية (Archaeology Magazine)؛ دراسات أكاديمية محكمة (Open Book Publishers). — فريق التحرير