مملكة تقلي — دولة جبال النوبة التي حافظت على استقلالها
في قلب جبال النوبة بوسط السودان، حول كتلة تقلي الجبلية — أعلى أجزاء الجبال في إقليم كردفان — قامت مملكة تقلي، إحدى أطول الدول المحلية عمراً في تاريخ السودان الحديث. اختلف المؤرخون في تاريخ نشأتها: فالتقاليد الشفهية تردّها إلى مطلع القرن السادس عشر، معاصرَةً لقيام سلطنة سنار، بينما يرجّح عدد من الباحثين أن كيانها السياسي لم يتبلور إلا في أواخر القرن الثامن عشر، بين عامي 1750 و1780، وأن أوائل ملوكها الواردين في القوائم ذات طابع شبه أسطوري.
حمل حاكم تقلي لقب «المكّ»، وتوارث العرشَ بحسب القوائم المتداولة نحو تسعة عشر مكّاً. ويرجع الفضل في صمود المملكة إلى موقعها الجغرافي: هضبة جبلية وعرة تحيط بها السهول والصحاري، ما مكّنها من الحفاظ على استقلالها نحو 130 عاماً رغم جيران أقوياء، من سلطنة سنار شرقاً إلى سلطنة الفور غرباً والحكم التركي المصري شمالاً.
ازدهرت تقلي مركزاً لطريق يربط السودان الأوسط بالغربي، وامتد نفوذها في أوجها من منطقة أبو حبل شمالاً حتى تلودي جنوباً. واهتم ملوكها بنشر التعليم الديني فأسسوا الخلاوى، حتى غدت تقلي منارة إسلامية في جبال النوبة، وصارت عاصمتها — العباسية تقلي لاحقاً — محطة معروفة للقوافل والتجارة.
انتهى استقلال المملكة عام 1884 حين غزتها قوات الدولة المهدية، لكنها استُعيدت عام 1889 دولةً عميلة تحت الحكم الثنائي البريطاني المصري، واستمرت سلطتها الإدارية حتى انقلاب عام 1969 الذي أنهى دورها الرسمي. وما يزال «مكّ تقلي» حتى اليوم يحتفظ بمكانة احتفالية ورمزية لدى أهل المنطقة، شاهداً على دولة جبلية صغيرة صمدت قروناً بين إمبراطوريات كبرى.
📚 المصادر: موسوعة ويكيبيديا (مقالا «مملكة تقلي» و«Taqali») بما فيهما من مراجع أكاديمية عن تاريخ كردفان وجبال النوبة؛ وزارة الثقافة والإعلام السودانية — صفحة ذاكرة التاريخ؛ دراسات معهد بروكينغز عن تاريخ النوبة ومقاومتهم للسلطة المركزية — فريق التحرير



