ثورة 1924 وعلي عبد اللطيف — جمعية اللواء الأبيض وأول مقاومة وطنية منظمة
كان السودان منذ عام 1899 خاضعاً للحكم الثنائي البريطاني المصري، غير أن الإدارة الفعلية كانت بيد بريطانيا. وبعد الحرب العالمية الأولى تأثرت النخبة الحضرية المتعلمة بموجة مناهضة للاستعمار اجتاحت المنطقة، وفي مقدمتها ثورة مصر عام 1919 وإعلان استقلالها الاسمي عام 1922، فبدأت تطالب بتوظيف السودانيين في المناصب المسؤولة وبالتحرك نحو الحكم الذاتي، بينما كانت لندن تراقب هذه الطبقة الصغيرة بحذر وتفضّل الاعتماد على الزعماء القبليين والدينيين التقليديين.
في هذا المناخ برز علي عبد اللطيف، الضابط السوداني السابق المولود في وادي حلفا لأب من جبال النوبة وأم من الدينكا، وكلاهما من أسر كانت قد عانت من الرق. أسّس عام 1921 «جمعية القبائل المتحدة» التي دعت إلى سودان مستقل تتقاسم فيه السلطة القيادات القبلية والدينية، ثم أُعيد تشكيل حركته عام 1923 باسم «جمعية اللواء الأبيض»، وتولّى رئاستها فيما كان عبيد حاج الأمين نائبه. ضمّت الجمعية ضباطاً وموظفين وكتبة وحرفيين وتجاراً وعمالاً، بينهم عمال مقر السكك الحديدية في عطبرة، أول مجمع صناعي في البلاد، ورفعت شعار «وحدة وادي النيل» داعيةً إلى استقلال السودان ووحدته مع مصر.
انطلقت المظاهرات المناهضة لبريطانيا في يونيو 1924 في الخرطوم وأم درمان وبورتسودان ومدن أخرى، فاعتقلت السلطات علي عبد اللطيف في 4 يوليو 1924، غير أن اعتقاله فاقم الاحتجاجات بدل إنهائها، وتولّى عبيد حاج الأمين القيادة. وفي 9 أغسطس 1924 خرج طلاب الكلية الحربية بالخرطوم — وعددهم 51 طالباً بحسب الدراسات الأكاديمية — في مظاهرة وتمرد عمّ المدن الثلاث، وقُمعت المظاهرات بالقوة وسقط قتلى في عطبرة وغيرها، فيما اعتُقل أو نُفي مؤسسو الجمعية وأبرز أعضائها.
بلغت الأحداث ذروتها في نوفمبر 1924: ففي 19 نوفمبر اغتيل الحاكم العام للسودان السير لي ستاك في القاهرة على يد قوميين مصريين، فأصدر المندوب السامي البريطاني إنذاره الشهير مطالباً بانسحاب الجيش المصري فوراً من السودان. وفي 27 نوفمبر، أثناء إجلاء الكتائب المصرية عن الخرطوم، تمرّدت الكتيبة السودانية الحادية عشرة رافضةً تلقي الأوامر إلا من سلطة مصرية، فاندلعت مواجهة دامية استمرت يومين قُتل فيها قائد التمرد الضابط عبد الفاضل الماز، ثم حُكم بالإعدام على أربعة من الضباط المشاركين. وطردت بريطانيا الموظفين والضباط المصريين من السودان، وأنشأت عام 1925 «قوة دفاع السودان» لمنع تكرار التمرد. أما علي عبد اللطيف فحُوكم وسُجن ونُفي، وتوفي في القاهرة عام 1948.
تصف المؤرخة إيلينا فيزاديني ثورة 1924 بأنها منعطف في تاريخ السودان وأول حلقة مقاومة مناهضة للاستعمار استخدمت أيديولوجيا وطنية صريحة، ضمن موجة عالمية أعقبت الحرب العالمية الأولى. ورغم قمعها وقلة عدد أعضاء الجمعية، تميّزت الحركة بتنوّع أصول أعضائها وطبقاتهم ومهنهم، وبعد سحقها اتجهت الإدارة البريطانية إلى تقييد التعليم والاعتماد أكثر على الزعماء التقليديين، وظلت ذاكرة 1924 مهمّشة في الروايات التاريخية اللاحقة عقوداً طويلة قبل أن تعيد الدراسات الحديثة الاعتبار لها بوصفها أول نضال حديث منظم من أجل الحرية في السودان.
📚 المصادر: إيلينا فيزاديني، «Lost Nationalism: Revolution, Memory and Anti-colonial Resistance in Sudan» (دار James Currey، 2015 — المؤلفة باحثة في جامعة بيرغن ومعهد العوالم الأفريقية بباريس)؛ مكتبة الكونغرس الأمريكية، الدراسة القطرية عن السودان، فصل «صعود القومية السودانية»؛ يوشيكو كوريتا، «علي عبد اللطيف وثورة 1924» (دراسات منشورة في مجلة Sudanic Africa، 1996، ومتاحة عبر مستودع جامعة بنسلفانيا الأكاديمي). — فريق التحرير



