من مسقط جاء هذا الأسبوع إعلان صغير في كلماته، كبير في معناه: سفارة السودان لدى سلطنة عُمان تتكفّل بنقل العالقين مجاناً عبر شركات الطيران الوطنية السودانية، ممن انتهت تأشيرات زيارتهم أو انتهت إقاماتهم ولم يتمكّنوا من تجديدها، وذلك خلال فترة الإعفاء من الغرامات التي حدّدتها الجهات العُمانية المختصة لجميع المخالفين، مع دعوة المعنيين إلى التسجيل لدى السفارة أو لدى مناديب اللجنة العليا للعودة الطوعية في مختلف المحافظات للاستفادة من الفترة قبل انقضائها (المصدر: صحيفة الوطن العُمانية). قيمة هذا الخبر لا تكمن في تذكرة مجانية، بل في ما وراءها: مواطن عالق وجد دولته تبحث عنه، لا العكس.

فكلمة «عالق» كلمة إدارية باردة تخفي وراءها إنساناً كاملاً: أباً انتهت أوراقه وهو لا يملك ثمن التذكرة ولا القدرة على دفع غرامة، وأمّاً تنتظر مع أطفالها بين خوف المخالفة وقلق الغد، وشاباً أخرجته الحرب من بيته وعمله فوجد نفسه معلّقاً في بلد غريب. هؤلاء لا يحتاجون إلى التعاطف الموسمي ولا إلى كاميرات تلتقط صورهم، بل إلى حقّ واضح وإجراء واضح: أن يعرفوا أين يسجّلون، ومتى يرحلون، ومن يسألون إن تعثّر الطريق. فالكرامة تبدأ حين يتوقّف الإنسان عن كونه ملفّاً تائهاً بين المكاتب.

وهنا يظهر المعنى الحقيقي للدولة التي ننادي بها: مؤسسات تخدم المواطن أينما كان، لا واجهات للمناسبات. السفارة في الخارج ليست صالة احتفالات، بل بيت خدمة لأبناء بلدها، وقيمتها تُقاس بما تفعله لأضعف مواطنيها لا بما تنشره من صور. ولذلك فإن هذا الإعلان اختبار عملي للإدارة بقدر ما هو خبر سارّ: نجاحه مرهون بتسجيل شفاف بلا وساطات، ومعايير معلنة يعرفها الجميع، وأولوية واضحة للمرضى وكبار السن والنساء والأطفال، ومواعيد ثابتة لا تتغيّر في الظلام. الشفافية وحدها تحمي المبادرة من سماسرة الخوف ومن كل من اعتاد المتاجرة بحاجة الناس وتحويل محنتهم إلى سوق.

على أن كلمتي «العودة الطوعية» يجب أن تبقيا معاً دائماً: عودة، وطوعية. فمن يختار الرجوع إلى وطنه يمارس حقّاً أصيلاً، ومن يختار تصحيح وضعه والبقاء حيث يعمل ويعيش يمارس حقّاً لا يقلّ أصالة؛ فلا إكراه في الانتماء، ولا مزايدة على وطنية أحد بمطار مغادرته أو إقامته. وفي المقابل، فإن الدولة التي تحترم خيار العودة مطالبة بأن تستقبل العائد في الداخل بما يليق به: سكن يأويه وعيادة تعالجه ومدرسة تستقبل أطفاله وفرصة عمل تعيد إليه مكانته، وإلا انتقل العالق من انتظار في مطار أجنبي إلى انتظار آخر في وطنه، وهو أقسى الانتظارين.

وفي هذا المشهد رسالة أوسع إلى سودانيي الشتات جميعاً، من مسقط إلى القاهرة والرياض ولندن: لستم جمهوراً موسمياً يُستدعى عند الأزمات ويُنسى بعدها، أنتم جزء من جسد هذا الوطن أينما حللتم، من شماله وجنوبه وشرقه وغربه ووسطه، بتنوّعكم الذي هو ثروته لا عبئه. وحدة السودان لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بخدمة متساوية تصل كل مواطن، وبمؤسسات لا تسأل المواطن عن منطقته أو قبيلته قبل أن تسأله عمّا يحتاج.

فلتكن رحلات مسقط بداية معيار لا حادثة عابرة: سفارات تُحصي مواطنيها قبل أن يضيعوا، وتعلن خدماتها قبل أن يطلبوها، وتُحاسَب على ما وعدت به. فالوطن ليس عنواناً على جواز سفر؛ الوطن أن تجد يد بلدك ممتدّة إليك حين تعلق في منتصف الطريق، وأن تظلّ ممتدّة حتى تصل.

— سلمى التجاني