قالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب هذا الأسبوع إن «النظام الإنساني بأكمله قد ينهار خلال أسابيع إذا لم نتحرك الآن»، مؤكدة أن إمدادات الإغاثة الطارئة عبر الممر الإنساني المشترك أوشكت على النفاد. وقبلها بأيام قال المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو من دارفور إن تمويل البرنامج للسودان انخفض إلى النصف هذا العام — 206 ملايين دولار حتى الآن مقابل 645 مليوناً العام الماضي — والفجوة قرابة 300 مليون. الأرقام معروفة: 8.6 مليون نازح داخلياً، و4.9 مليون عائد منذ مطلع العام، ونحو 20 مليون إنسان يواجهون الجوع. (المصادر: أخبار الأمم المتحدة ورويترز، 14 سبتمبر 2026)
لكن دعونا نقرأ ما وراء الأرقام. فهذه ليست أزمة تمويل عابرة، بل إعلان صريح بأن العالم قرر أن يتفرج. المانحون الذين كانوا يتسابقون على مؤتمرات التعهدات وجدوا حروباً أخرى وأولويات أخرى، والسودان — كعادته — في ذيل القائمة. والأسوأ أن بعض هؤلاء المانحين أنفسهم جزء من معادلة إطالة الحرب بالمال والسلاح عبر الوكلاء، ثم يذرفون الدموع على «الأزمة الإنسانية» في بيانات صحفية.
الحقيقة التي يجب أن تُقال: لا أحد سيطعم السودان غير السودانيين. كل رهان على الخارج رهان خاسر — من كان يراهن على مجلس الأمن الذي اكتفى هذا الشهر بتمديد تقني لولاية فريق الخبراء، أو على مؤتمرات لا تسمن ولا تغني من جوع. الحل ليس في انتظار شاحنات الإغاثة، بل في استعادة الدولة ومؤسساتها: مؤسسات تزرع، وتخزن، وتوزع، وتحمي قوافل الغذاء بدل أن تُستهدف بالمسيّرات.
ولنكن صرحاء أكثر: هناك طبقة كاملة تعيش على هذه الأزمة — سماسرة المعونات، وتجار الحرب، وسياسيو الفنادق الذين يتقاضون رواتب المنظمات ويتحدثون باسم الجوعى من العواصم البعيدة. هؤلاء لا يريدون نهاية للحرب، لأن نهايتها تعني نهاية امتيازاتهم. أما الشعب السوداني — الذي استقبل 4.9 مليون عائد هذا العام وحده — فقد أثبت أنه أقوى من كل هؤلاء.
المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط ضد الجوع، بل ضد عقلية الانتظار. السودان بلد يملك الأرض والنيل والعقول. ما ينقصه ليس الصدقات، بل مؤسسات تحميه من اللصوص: لصوص الداخل الذين يسرقون المعونات، ولصوص الخارج الذين يسرقون القرار.
— عادل منصور