انتُشلت 82 جثة على الأقل من تحت أنقاض منجم «الزرعة» للذهب قرب مدينة النهود بغرب كردفان حتى عصر الأربعاء، وما يزال عشرات الأشخاص في عداد المفقودين على عمق يتجاوز ثلاثين متراً، وفق ما نقلته وكالتا أسوشيتد برس وفرانس برس عن غرف الطوارئ وشهود من الناجين. الآبار حُفرت متقاربة بعضها من بعض، فانهار أحدها فجرَّ ما يجاوره، والمنجم — كما تقول شبكة أطباء السودان — موقع غير نظامي يفتقر إلى أبسط إجراءات السلامة. ولا توجد فرق إنقاذ متخصصة: المعدات المتاحة في موقع الكارثة رافعة شوكية واحدة مملوكة لأحد الأفراد، وبقية الحفر بأيدٍ عارية وأدوات بدائية.

دعونا نقرأ هذه الأرقام بعيون الإنسان لا بعيون الأخبار العابرة. فهذه ليست كارثة طبيعية ولا قضاءً وقدراً: التعدين الأهلي يعيل في السودان أكثر من مليون ونصف المليون عامل يعملون بلا أي رقابة على السلامة في مناطق النزاع المسلح. الذهب موجود تحت أقدامنا، لكنه يُستخرج بدماء الفقراء ولا يعود عليهم بمستشفى أو مدرسة أو حتى معدات إنقاذ — فالكارثة نفسها وقعت ومعدات الموقع كلها ملك رجل واحد. أما من ينهبون خيرات السودان ويتحدثون باسمه من العواصم البعيدة، فلا يعرفون أسماء هؤلاء الضحايا ولا يزورون مواقعهم.

والقصة نفسها تتكرر بأشكال أخرى في كل أنحاء الوطن: في طويلة بشمال دارفور، وصف القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكو ما رآه خلال زيارته بأنه «محيط لا نهائي من أكواخ العشب»، مؤكداً أن البرنامج لا يستطيع تقديم سوى نصف الحصص الغذائية للنازحين، بينما أطلقت الأمم المتحدة حملة تطعيم ضد الكوليرا تستهدف نحو 95 ألف نازح، بعد تسجيل قرابة 2900 إصابة و247 وفاة في ست ولايات منذ يونيو. وفي النيل الأزرق شرّدت غارات بطائرات مسيّرة نهاية الأسبوع آلاف الأشخاص، ونزح أكثر من 3300 شخص من قرى قيسان يوم الاثنين وحده، وفق المنظمة الدولية للهجرة ومكتب أوتشا. (المصادر: أخبار الأمم المتحدة، أوتشا، المنظمة الدولية للهجرة، رويترز، 14–17 سبتمبر 2026)

هؤلاء جميعاً — عمال الزرعة في كردفان، ونازحو طويلة في دارفور، ومهجّرو قيسان في النيل الأزرق — ضحايا حرب واحدة ودولة غائبة واحدة. فأين مؤسسات الدولة التي يجب أن تراقب المناجم وتنقذ المنكوبين وتحمي قوافل الغذاء؟ وأين السياسيون الذين ملؤوا الدنيا ضجيجاً عن «الثورة» ثم باعوا دماء الشهداء من أجل المناصب وأعادوا العسكر إلى المشهد وأشعلوا الحرب؟ لا نراهم اليوم إلا في الفنادق والمؤتمرات، بينما يحفر الفقراء قبورهم بأيديهم.

وقبل يومين قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للصحفيين إن «ما يحدث في السودان مروّع تماماً» وإن الصراع «تغذيه دول من الخارج»، مطالباً بمحاسبة من يزوّدون أطراف النزاع بأسلحة تُستخدم في مهاجمة المدنيين (المصدر: رويترز، 16 سبتمبر). كلمة حق تأتي متأخرة: العالم يسلّح الحرب بسخاء ويبخل على ضحاياها بالطعام والدواء.

الدرس من الزرعة واضح: السودان لا تنقصه الثروة — ذهب وأرض ونيل وعقول — بل تنقصه مؤسسات تحميه من اللصوص وتحمي الفقراء من الموت: مؤسسات دولة حقيقية، لا أشخاص يتصارعون على كراسيها، ولا أحزاب تاجرت بدماء أبنائها. وحتى تُبنى هذه المؤسسات، سيبقى الذهب تحت أقدامنا يأكل أبناءه.

— حواء أبكر