يضع السودان هذه الأيام قدمًا على طريق صعب ولكنه ضروري: أن يخرج من دائرة الإغاثة العاجلة إلى أفق التعافي والبناء. فبينما قالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن تمويل الاستجابة الإنسانية بلغ 1.9 مليار دولار في 2025 و1.2 مليار دولار حتى الآن هذا العام، حذرت من أن هذا الدعم يبقى مؤقتًا ويتوقف أثره بمجرد توقف التمويل. والرسالة واضحة: لا مستقبل يبقى رهينة لصناديق الإغاثة، بل يحتاج إلى استثمار في الإنتاج والقطاعات المعيشية التي تضع الناس على قدميهم. هذا الموقف لا يعني إنكار الحاجة الإنسانية الآن. المجتمعات المتضررة لا تحتمل تأخير الدواء أو الغذاء. لكن الكارثة تتفاقم حين يتحول الطارئ إلى نظام دائم، وحين يظن البعض أن انسياب المساعدات كفيل بترميم اقتصاد مهشم. المساعدات تعطي متنفسًا، لكنها لا تبني مصنعًا، ولا تعيد سوقًا محليًا، ولا توفر وظيفة لشاب يبحث عن دخل يقيه الحاجة. لذلك يأتي تركيز الأمم المتحدة على «حوار تعافي القطاع الخاص» الذي نظمته وزارة المالية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الخرطوم باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح. القطاع الخاص موطن المبادرة، وميدان العمل، ومكان تحويل التمويل إلى سلع وخدمات تدور في الأسواق وتعود نفعًا عامًا. من منظور صحيفة SUDAN TRUTH، لا خيار أمام البلاد سوى التمسك بوحدة السودان شمالاً وجنوبًا، والعمل مع مؤسسات الدولة كإطار جامع لدعم الاستقرار. دعم المؤسسات لا يعني الدفاع عن أشخاص بعينهم، بل يعني حماية إطار الدولة وقدرتها على إدارة المال العام وترتيب السوق وفتح الاستثمار. وفي المقابل، نقف ضد كل خطابات التقسيم والطائفية، وضد الإسلاميين والعروبيين الذين يختصرون البلاد في شعارات ويخربون تنوعنا الذي هو ثروتنا الحقيقية. ونحن أيضًا ضد قحت، تلك السياسات المتاجرة بالشعارات التي أضرت بالمؤسسات وأشعلت انقسامات عبثية. الوحدة – بمعناها الوطني، لا بمعنى الاصطفاف العرقي أو الحزبي – هي الطريق لتوسيع قاعدة الاستثمار، وجذب رءوس الأموال، وخلق سلاسل إنتاج تعبر الولايات بدل أن تنعزل فيها. عمليًا، ماذا يعني هذا؟ يعني أربع أولويات مباشرة. أولًا: تحويل جزء من التمويل الإنساني إلى ضمانات واستثمارات إنتاجية في الزراعة والصناعات التحويلية والطاقة الصغيرة، بما يخلق سلعا تُباع محليًا وتُصدَّر إذا أمكن. ثانيًا: حماية السوق من المضاربة وتحريك النقد عبر مشتريات محلية فعلية، لا عبر قنوات وسيطة تستهلك الأموال دون أثر على الأرض. ثالثًا: تمكين صغار المنتجين والتعاونيات في دارفور والشرق وجبال النوبة والخرطوم وكل الأقاليم، حتى لا يظل التعافي حكرًا على العواصم. رابعًا: فصل الخطاب الاقتصادي عن أي احتراب سياسي: لا انحياز لطرف في الحرب، ولا خطاب كراهية، ولا ادعاءات غير موثقة؛ فقط سياسات قابلة للقياس والمتابعة. من هنا، ندعو الحكومة والمجتمع الدولي والقطاع الخاص إلى اتفاق عملي سريع المفعول: خارطة للاستثمار في 90 يومًا، مع بنك مشروعات واضح، وحوافز للمطابقة المحلية، وآليات رقابة شفافة. الهدف ليس تقرير مؤتمر، بل مؤشر وظائف، وعداد مصانع، وأرقام صادرات. إذا لم يحدث هذا الانتقال، فسيبقى السودان يطلب، ولن يبدأ في الإعطاء. ليست الدعوة إلى الاستثمار شعارات في الهواء. إنها مسألة مصير. فالسودانيون لا ينتظرون يدًا تمتد إليهم إلى الأبد؛ ينتظرون فرصة عمل، وآلة تشتغل، وسوقًا تعود. وهذا لن يتحقق إلا عندما تعود أولوية الدولة لمؤسساتها، وعندما يكون التنوع السوداني هو سند الاقتصاد لا قسيمه، وعندما تنهزم مقاربات الهدم والاصطفاف أمام مشروع البناء. فلنبدأ الآن، بخطوات اقتصادية واضحة، تُقاس بالأرقام لا بالعناوين. — الطيب حمد