في قاعة النادي السوداني بالعاصمة التشادية أنجمينا، تُفتح هذه الأيام دفاتر تسجيل لا تشبه دفاتر اللجوء. أسماء تُكتب لا طلباً للإقامة في المنفى، بل طلباً لتذكرة عودة. آلاف السودانيين سجّلوا رغبتهم في العودة الطوعية إلى بلادهم، في برنامج بدأته سفارة السودان في تشاد بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة، انطلاقاً من أنجمينا ثم التوسع إلى مناطق أخرى، مع إرسال فريق مشترك إلى أبيشي بعد استئناف التسجيل هناك عقب توقف أعمال القنصلية، على أن تكون العودة جواً عبر مطاري الخرطوم وبورتسودان، مع مساعدة مالية لإعادة الاستقرار لم يُعلن مبلغها بعد (المصدر: The Sudan Times — 30 سبتمبر 2026؛ متابعات دارفور — 15 سبتمبر 2026).
هذا المشهد يستحق أن نقف عنده طويلاً، لأنه يقلب معادلة المنفى رأساً على عقب. فاللاجئ في العادة يُعرَّف بما فقده: بيته، مدينته، عمله. أما هؤلاء فيعرّفون أنفسهم بما قرروه: العودة. والفرق بين الفقد والقرار هو الفرق بين الضحية والمواطن. من يختار العودة بإرادته يستعيد شيئاً أعمق من سقف البيت: يستعيد حقه في أن يكون صانع مصيره لا متلقي إحسان العالم.
وثمّة درس آخر في هذه القوائم: السودان الذي في قلوب أبنائه واحد لا يتجزأ. لم يسجّل أحد اسمه للعودة إلى «كيان» أو «حكومة موازية»؛ الجميع عاد إلى السودان. وفي الأسبوع نفسه الذي ازدحمت فيه دفاتر العودة، أكد اجتماع وزاري دولي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الرفض القاطع لإنشاء هياكل حكم موازية، مع التأكيد على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه (المصدر: وكالة بانابريس نقلاً عن بيان الخارجية البريطانية — 1 أكتوبر 2026). الدبلوماسية قالتها بلغة البيانات، والعائدون قالوها بلغة الأقدام: وطن واحد.
لكن لنكن صادقين مع أنفسنا: العودة ليست نهاية القصة بل بدايتها. فالاستقبال الحقيقي لا يكون في صالة المطار، بل في ما بعدها: سكن يأوي، ومدرسة تستقبل الأطفال، وعمل يعيد الكرامة، وخطة استيعاب حقيقية لا احتفاء إعلامياً عابراً. والمساعدة المالية المعلنة التي «لم يُحدَّد مبلغها بعد» تضع الدولة ومؤسساتها أمام اختبار الجدية: فالدولة التي تفتح مطاراتها لأبنائها مطالبة بأن تفتح لهم أيضاً أبواب الحياة الكريمة. هنا تحديداً يظهر معنى المؤسسية التي ننادي بها: دولة تستقبل، وتنظّم، وتخطّط — لا شعارات تُرفع ثم تُنسى.
وفي هذه العودة رسالة أيضاً إلى أولئك الذين اعتادوا المتاجرة بمصائر السودانيين: من باعوا دماء الشهداء من أجل المناصب، ومن يوزّعون البلاد على موائد التفاوض. انظروا إلى قوائم أنجمينا وأبيشي: هؤلاء لم ينتظروا تسوية تُكتب في عاصمة أجنبية ليقرروا مصيرهم؛ قرّروه بأنفسهم، واختاروا الوطن الواحد. فليتعلّم تجّار السياسة من بسطاء الناس: السودان لا يُقسَّم في الغرف المغلقة ما دام أبناؤه يعودون إليه موحّدين.
وأخيراً، هذه دعوة إلى المجتمع قبل الدولة: استقبلوا العائدين كما تستقبلون أهلكم بعد غياب طويل. فالوطن لا يُبنى بالبيانات والخطابات، بل بأقدام العائدين إليه، وبأيادٍ تمتدّ لهم لا بأبواب تُغلق في وجوههم. ومن كل بقاع السودان خرجوا، وإلى كل بقاعه يعودون — بتنوّعهم الذي هو ثروتنا، ووحدتهم التي هي قدرنا.
— نفيسة كوكو