متحف السودان القومي — ذاكرة البلاد الأثرية في قلب الخرطوم
يقع متحف السودان القومي في منطقة المقرن بالخرطوم، على شارع النيل قرب ملتقى النيلين الأزرق والأبيض. تعود جذوره إلى عام 1904، حين عُرضت مقتنيات أثرية في غرفتين بكلية غردون وعُرف المعرض يومها بمتحف الخرطوم. وبعد الاستقلال بدأ التفكير في متحف قومي جامع، فاكتمل مبناه الحالي في الستينيات وافتُتح رسمياً عام 1971، ليضم آثاراً كانت موزعة في أماكن متفرقة.
كان الدافع الأكبر لإنشائه حملة اليونسكو الدولية لإنقاذ آثار النوبة (1960–1980)، حين هدد بناء السد العالي في أسوان مواقع الشمال بغمر نهائي تحت نحو خمسين متراً من الماء. وثّق مركز التراث العالمي باليونسكو أن معابد عكشة وبوهين وسمنة شرق وسمنة غرب، وهي من آثار النوبة السودانية المهددة، فُككت ونُقلت وأُعيد تركيبها في حديقة المتحف بالخرطوم، حيث رُتبت حول حوض مائي يرمز إلى النيل، في وضع قريب من مواقعها الأصلية على ضفافه.
في الداخل يسير العرض زمنياً من العصر الحجري القديم إلى الفترة الإسلامية. يضم المتحف آثار حضارة كرمة (نحو 2500–1500 ق.م) المعروفة بعمارتها الضخمة، وتماثيل ملوك كوش الضخمة، ومنها تمثال ضخم للملك تهارقا جاء من جبل البركل، إلى جانب فخار وشواهد مروية منقوشة ومجوهرات وأدوات من مواقع مختلفة في البلاد. وفي حديقته أُعيد أيضاً بناء مقبرة الأمير النوبي جحوتي حتب، الذي عاش في القرن الخامس عشر قبل الميلاد في عهد حتشبسوت وتحتمس الثالث.
أما أشهر مجموعاته فهي جداريات كاتدرائية فرس، التي خُصص لها طابق كامل. هذه اللوحات الجدارية، المؤرخة بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلاديين، نُزعت عن جدران الكاتدرائية أثناء حملة الإنقاذ ونُقلت إلى الخرطوم، وبقيتها محفوظة في المتحف الوطني بوارسو. وتُعد من أبرز شواهد الفن المسيحي في شمال شرق أفريقيا في العصور الوسطى، إذ تصوّر مشاهد كتابية وقديسين وملوكاً نوبيين، ومعها نقوش يونانية وقبطية على شواهد جنائزية من أرض النوبة بين فرس وسوبا.
بهذا المعنى لا يقتصر المتحف على كونه قاعات عرض؛ فهو السجل المادي الأوسع لتاريخ السودان، يجمع في مكان واحد مسيرة ممتدة من أدوات الإنسان الأول إلى ممالك كوش والمقرة وعلوة ثم العصور الإسلامية، ويعمل مركزاً للبحث والتوثيق وحفظ الآثار. ومن هنا تأتي أهميته العلمية: فكثير مما يعرفه الباحثون اليوم عن حضارات وادي النيل الأوسط يستند إلى قطع حُفظت ووثّقت بين جدرانه وحديقته.
📚 المصادر: اليونسكو — مركز التراث العالمي، «إنقاذ آثار النوبة ومواقعها»؛ د. حسن حسني إدريس أحمد، «المتحف القومي: النشأة والتطور»، مجلة القلزم للدراسات التوثيقية، العدد العاشر، 2022؛ مجلة أبولو، «التهديد الذي يواجه التراث الثقافي السوداني» — فريق التحرير



