سواكن — ميناء السودان التاريخي على البحر الأحمر

تقع سواكن على ساحل البحر الأحمر، على جزيرة مسطحة شبه مستديرة داخل بحيرة ضحلة متصلة بالبحر بقناة طبيعية عبر الشعاب المرجانية، ويتصل بها جزء بري يعرف بالقيف. وصفها الرحالة البرتغالي دي كاسترو عام 1541 بأن الجزيرة كلها مدينة والمدينة كلها جزيرة، إذ لم يكن فيها موضع قدم غير مشغول بالبيوت. هذا الموقع المحمي جعلها ميناء طبيعياً آمناً عند نهاية طريق صحراوي يصل إلى وادي النيل.

عرفت المصادر العربية الوسيطة سواكن ميناء تجارياً، وازدادت أهميتها منذ القرن العاشر إلى الثاني عشر الميلادي بوصفها عقدة في شبكة تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي. وبعد تراجع ميناء عيذاب إلى الشمال خلال القرن الخامس عشر، صارت سواكن الميناء الرئيسي على الساحل السوداني، ونقطة الانطلاق الأولى لحجاج شمال أفريقيا المتجهين إلى مكة عبر جدة، وللحجاج المسيحيين الأحباش المتجهين إلى القدس في الوقت نفسه.

دخلت سواكن النفوذ العثماني بعد فتح مصر عام 1517، ثم قامت حملة عثمانية ثانية عام 1555 عيّن على إثرها أوزدمير باشا أول والٍ لمقاطعة عثمانية كانت سواكن عاصمتها، فتوسع دور الميناء عبر القرون التالية. وظلت سواكن الميناء الوحيد الكبير للسودان طوال العصور الوسيطة المتأخرة وأوائل العصر الحديث، وداخل المجال الاقتصادي والثقافي لسلطنة سنار الفونجية في فترات متعاقبة، قبل أن تعرف ازدهاراً أخيراً كبيراً بعد افتتاح قناة السويس عام 1869.

تميزت عمارة الجزيرة ببيوت ومساجد من ثلاثة وأربعة طوابق مبنية من الحجر المرجاني المستخرج محلياً ومبيضة بالجير، بنوافذ خشبية بارزة تعرف بالروشان، حتى لُقبت بالمدينة البيضاء. ومع قرار إنشاء ميناء جديد في بورتسودان إلى الشمال في مطلع القرن العشرين، تراجعت سواكن سريعاً حتى غدت بحلول عشرينيات القرن الماضي شبه مهجورة، وتدهورت مبانيها المرجانية مع الزمن.

أُدرجت سواكن في القائمة التمهيدية السودانية للتراث العالمي لدى اليونسكو منذ عام 1994، وأكدت ورشة مراجعة القائمة عام 2015 بقاءها فيها بوصفها ميناء تاريخياً على البحر الأحمر. ومنذ عام 2002 يعمل «مشروع سواكن» التابع للهيئة القومية للآثار والمتاحف، بمشاركة باحثين من جامعات أولستر وكامبريدج ولندن والخرطوم، على دراسة تاريخ الموقع وآثاره وترميم مبانيه المهمة، لتبقى سواكن شاهداً مادياً على قرون من التجارة والحج والتواصل عبر البحر الأحمر.

📚 المصادر: اليونسكو — القائمة التمهيدية للتراث العالمي في السودان وورشة مراجعتها (2015)؛ جامعة ساوثهامبتون — مشروع الآثار البحرية المهددة (MarEA)، دراسة حالة سواكن؛ مؤسسة ماكس فان برشم — الأعمال الأثرية في سواكن ومشروع سواكن (الهيئة القومية للآثار والمتاحف) — فريق التحرير