في جنيف، انطلق يوم الأربعاء الاجتماع التشاوري السادس لتعزيز تنسيق مبادرات السلام في السودان، بمشاركة نحو ست وعشرين دولة ومنظمة، بينها الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، والخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والإيغاد، ويستضيفه مكتب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو بالشراكة مع سويسرا (المصادر: أخبار الأمم المتحدة، مكتب الأمم المتحدة في جنيف، وكالة الأنباء الكويتية «كونا»). والاجتماع، كما أوضحت الأمم المتحدة، مخصص لتنسيق الوسطاء، فلا تشارك فيه الحكومة السودانية ولا قوات الدعم السريع، على أن تُنقل مخرجاته إليهما لاحقاً. وهنا يبدأ السؤال الذي لا يجوز تأجيله: كيف يُنسَّق سلام لبلد كامل، وأهل البلد ينتظرون نتائجه من خارج القاعة؟
ليس السؤال شكلياً، لأن المدنيين لا يعيشون على إيقاع المؤتمرات. فقبل يومين من اجتماع جنيف، أدانت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي «يونيسفا» هجمات بمسيّرات وقعت في التاسع عشر من أكتوبر قرب سوق أميت وتوداش، وقالت إن عشرات الأشخاص قُتلوا وأُصيبوا وإن الحصيلة مرشحة للارتفاع مع استمرار إجلاء الضحايا والبحث عن مفقودين (المصدر: بيان يونيسفا المنشور عبر ريليف ويب، 22 أكتوبر). وفي جنيف نفسها، حذّر وزير الدولة السويسري ألكسندر فاسل من أحوال شبيهة بالمجاعة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى، وقال إن الحرب هي التي تدفع هذا الجوع، وإن حماية المدنيين ووصول المساعدات يجب ألا ينتظرا وقف إطلاق النار ولا الحل السياسي (المصدر: أخبار الأمم المتحدة، 21 أكتوبر).
إن تعدد المبادرات لم يعد دليل اهتمام، بل صار في كثير من الأحيان جزءاً من المشكلة؛ فحين تتزاحم المنصات يتحول السودان إلى ملف تُدار حوله المواقف، لا وطناً يُصغى فيه أولاً إلى أهله. تنسيق الوسطاء خطوة ضرورية، لكنه يظل خطوة أولى لا نتيجة؛ وقيمته لا تُقاس بعدد الحاضرين، بل بقدرته على إنتاج هدنة إنسانية قابلة للمراقبة، وممرات آمنة تصل فعلاً إلى الجائع والمريض، وتحقيق مستقل ومساءلة في ما جرى في أبيي وغيرها، حتى لا يصير استهداف المدنيين خبراً يتكرر بلا ثمن.
والسلام الذي يدوم لا يُبنى على صفقات بين شخصيات، أياً كانت أسماؤها ومواقعها، بل على مؤسسات دولة تحفظ للمواطن حقه وتحتكر وحدها أدوات القوة المنظمة في جيش وطني واحد يعمل كمؤسسة فوق الأشخاص. ولذلك نرفض أي تسوية تعيد تدوير نخبة «قحت» التي جرّبت حظها فأوصلت البلاد إلى ما هي فيه، كما نرفض أن تكون الصفقات الخارجية نافذة لعودة الإسلاميين إلى المشهد، أو منصة لمشاريع عروبية ضيقة لا ترى في السودان إلا تابعاً. السودان أكبر من هذه المشاريع كلها: بلد متنوع في لغاته وثقافاته ومناطقه، وأبيي نفسها شاهد على أن مصير شماله وجنوبه متشابك ولا يُكتب بمعزل عن بعضه. وحدة هذا التنوع في دولة مؤسسات عادلة هي وحدها الضمانة.
لذلك فإن اختبار جنيف يبدأ بعد انتهاء جلساته. فإن خرج الوسطاء بموقف واحد واضح: حماية المدنيين أولاً، ووصول المساعدات بلا شروط، ومسار سياسي بملكية سودانية واسعة يعكس تنوع السودانيين وتجاربهم كما قال المبعوث الأممي نفسه، كان الاجتماع بداية طريق. أما إن اكتفى كل طرف بورقته الخاصة، فسيبقى السلام يُنسج بعيداً، بينما يظل السودان، بأهله ودمهم وجوعهم، على الهامش. والسودان لا يستحق الهامش؛ يستحق أن يكون هو النص كله.
— عادل منصور



