مملكة علوة وسوبا عاصمتها — أطول الممالك النوبية المسيحية عمراً

قامت مملكة علوة، وتُعرف أيضاً باسم ألوديا، في وسط السودان الحالي بعد سقوط مملكة كوش القديمة نحو عام 350 ميلادية. ورد ذكرها أول مرة في السجلات التاريخية عام 569، وكانت آخر الممالك النوبية الثلاث التي اعتنقت المسيحية، وذلك عام 580، بعد نوباتيا في الشمال وعاصمتها فرس، والمقرة في الوسط وعاصمتها دنقلا العجوز. امتد قلب المملكة في أرض الجزيرة الخصبة بين النيلين الأبيض والأزرق، ووصلت أقصى مواقعها المعروفة جنوباً إلى قرب سنار، على مشارف المرتفعات الإثيوبية.

كانت العاصمة سوبا تقع على الضفة اليمنى للنيل الأزرق، على بعد نحو 19 كيلومتراً جنوب وسط الخرطوم الحالية، قرب ملتقى النيلين. قدّر الباحثون مساحتها في ذروتها بنحو 240 إلى 275 هكتاراً، ما يجعلها من أكبر المواقع الأثرية في السودان. وصفها الرحالة والدبلوماسي ابن سليم الأسواني في القرن العاشر الميلادي بأنها مدينة ذات مساكن واسعة وكنائس مزدانة بالذهب وحدائق وأديرة كبيرة وحي للتجار العرب، وعدّ علوة أقوى الممالك النوبية في زمنه.

بلغت علوة ذروتها على الأرجح بين القرنين التاسع والثاني عشر الميلاديين، حين تشير السجلات إلى أنها فاقت جارتها المقرة حجماً وقوة عسكرية وازدهاراً اقتصادياً، مع بقاء روابط أسرية وثيقة بين المملكتين. أدارها ملك قوي يعاونه حكام أقاليم يعيّنهم، وازدهرت سوبا مركزاً تجارياً وصلته بضائع من المقرة والشرق الأوسط وغرب أفريقيا والهند وحتى الصين، كما ازدهرت فيها الكتابة باللغتين النوبية واليونانية، وكانت اليونانية لغة الطقوس الكنسية المرتبطة ببطريركية الإسكندرية القبطية.

كشفت الحفريات في سوبا، منذ أعمال بيتر شيني في مطلع الخمسينيات ثم حفريات ديريك ويلسبي وتشارلز دانيالز في الثمانينيات والتسعينيات، عن كنائس وقصر ومقابر وتلال كثيرة من أنقاض الطوب الأحمر خلّفتها مبانٍ ضخمة. ومع ذلك لم يُدرس بالتفصيل حتى اليوم سوى نحو واحد في المائة من مساحة المدينة، وهو ما دفع مشروعاً بحثياً متعدد التخصصات بقيادة المركز البولندي لآثار البحر المتوسط بجامعة وارسو، مع شركاء سودانيين واسكتلنديين، إلى استئناف المسح والتنقيب منذ عام 2019 لتوثيق ما تبقى منها وحمايته.

بدأ تراجع علوة منذ القرن الثاني عشر وتسارع في القرن الثالث عشر، لأسباب يرجح الباحثون أنها شملت غزوات من الجنوب وجفافاً وتحول طرق التجارة، ثم هجرات عربية متزايدة إلى أعالي وادي النيل. وتذكر مدونة الفونج والتقاليد العبدلاب أن سوبا دُمرت عام 1504، فانتهت المملكة عملياً نحو عام 1500 بعد عمر قارب ألف عام، وقامت على أنقاض المنطقة لاحقاً سلطنة سنار. وفي القرن التاسع عشر نُقل كثير من طوب سوبا الأحمر لبناء الخرطوم الجديدة، ويهدد الزحف العمراني اليوم ما تبقى من الموقع، إذ غطت المباني الحديثة نحو نصف مساحته الأصلية.

📚 المصادر: مشروع «سوبا — قلب علوة»، المركز البولندي لآثار البحر المتوسط، جامعة وارسو (soba.uw.edu.pl)؛ هيئة البيئة التاريخية في اسكتلندا، «رسم خريطة مدينة سوبا المفقودة في السودان»؛ دراسات ماريوش دجيفيتسكي وروبرت ريندزيفيتش حول سوبا عاصمة مملكة علوة الوسيطة. — فريق التحرير