فرس — كاتدرائية النوبة التي نجت لوحاتها من الغرق

قامت مدينة فرس في أقصى شمال السودان، قرب الشلال الثاني والحدود مع مصر، وكانت مركزاً حضرياً كبيراً في مملكة نوباديا النوبية في العصور الوسطى. لم يبقَ من شهرتها اليوم مبنى قائم على أرضها، فقد غمرت مياه البحيرة موقعها في ستينيات القرن العشرين، لكن لوحات كاتدرائيتها بقيت محفوظة في متحفين، وصارت أوفى سجل باقٍ لفن الكنيسة النوبية في العصور الوسطى بشهادة الباحثين.

بدأت القصة عام 1954 حين تقرر بناء السد العالي بأسوان، وكان من شأن البحيرة الصناعية الضخمة خلفه أن تغطي وادي النيل الأعلى من أسوان حتى شلال دال في السودان، وهي المنطقة التي عُرفت منذ القدم باسم النوبة. وفي عام 1959 طلبت حكومتا مصر والسودان من اليونسكو المساعدة في حماية الآثار المهددة وإنقاذها، فأطلق المدير العام للمنظمة عام 1960 نداءً دولياً قامت عليه حملة إنقاذ آثار النوبة، التي انتهت في 10 مارس 1980 بنجاح وصفته اليونسكو بأنه كامل ومبهر.

في النوبة السودانية شمل الخطر معبد رمسيس في أكشا، ومدينة بوهين المحصنة بمعبديها من الأسرة المصرية الثامنة عشرة، ومعبدي سمنة الشرقية والغربية. فُككت هذه المعابد ونُقلت أجزاؤها، ثم أُعيد تركيبها مجتمعة في حديقة المتحف بالخرطوم، حيث ما تزال قائمة حتى اليوم شاهداً على تلك العملية. أما مواقع أخرى كثيرة فلم يكن ممكناً إنقاذ مبانيها، فاقتصر العمل فيها على التنقيب والتوثيق قبل أن تغمرها المياه إلى الأبد.

وفي فرس عملت البعثة الأثرية البولندية بقيادة البروفيسور كازيمير ميخالوفسكي بين عامي 1961 و1964، ضمن الحملة الدولية، فكشفت عن مجمع معماري تتوسطه كاتدرائية كانت مملوءة بالرمال، وجدرانها مغطاة بلوحات جدارية مرسومة بالتمبرا على طبقة من الجص. وبسبب تجديد الكنيسة وإعادة تزيينها عبر القرون، تراكبت في مواضع من جدرانها ثلاث أو حتى أربع طبقات متعاقبة من الجص والرسم، تعود أعمالها إلى الفترة بين القرنين الثامن والرابع عشر الميلاديين، وساعدت النقوش المرافقة، وفي مقدمتها قائمة الأساقفة، في ضبط التسلسل الزمني لمراحل تزيين الكاتدرائية.

ولما تعذّر نقل الكنيسة كاملة إلى موقع آمن لأسباب تقنية، تقرر نزع اللوحات عن الجدران ونقلها. ووفق شروط حملة اليونسكو النوبية واتفاق البلدين، آلت 67 لوحة إلى المتحف الوطني في وارسو، وذهبت اللوحات الباقية إلى متحف السودان القومي في الخرطوم، حيث تُعرض مجموعتا فرس في العاصمتين حتى اليوم. وتبقى قصة فرس مثالاً موثقاً على أن إنقاذ التراث السوداني لم يكن عملاً محلياً وحده، بل ثمرة تعاون دولي واسع سبق الغرق بسنوات من العمل الميداني الدقيق.

📚 المصادر: اليونسكو — مركز التراث العالمي، «حملة إنقاذ آثار النوبة ومواقعها» و«الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة»؛ المتحف الوطني في وارسو — حولية المتحف، دراسات نقل لوحات كاتدرائية فرس وترميمها (1961–1974) ومعرض فرس «كنوز من الصحراء الغارقة» — فريق التحرير